محمد متولي الشعراوي

5979

تفسير الشعراوى

مصداقا لقوله سبحانه : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . . ( 29 ) [ الكهف ] وأنت حرّ في أن تطيع أو أن تعصى ، وكل ذلك داخل في نطاق اختيارك ، وإن صنع الإنسان طاعة ، فهو يصنع لنفسه نفعا ، وإن صنع معصية ، صنع لنفسه ضرّا . إذن : فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع . ومثال ذلك : من ينتحر بأن يشنق نفسه ، فهو يأتي لنفسه بالضر ، وقد ينقذه أقاربه ، وذلك بمشيئة اللّه سبحانه . إذن : ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان - بمشيئة اللّه - الضر أو النفع لنفسه ، واللّه سبحانه يبين لنا أن لكل أمة أجلا ، فلا تحددوا أنتم آجال الأمم ؛ لأن آجالهم - استئصالا ، أو عذابا - هي من عند اللّه سبحانه وتعالى . والعباد دائما يعجلون ، واللّه لا يعجل بعجلة العباد ، حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه ، فالله تعالى منزّه أن يكون موظفا عند الخلق ، بل هو الخالق الأعلى سبحانه وتعالى . وهو سبحانه القائل : سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ( 37 ) [ الأنبياء ] وهو سبحانه القائل : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا « 1 » ( 11 ) [ الإسراء ]

--> ( 1 ) عجولا : صيغة مبالغة تفيد التعجّل في الأمور . واستعجل الأمر طلبه عاجلا سريعا ، قال تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ . . ( 11 ) [ يونس ] والعاجل : السريع ضد الآجل ، والعاجلة الدنيا ، والآجلة الآخرة ، يقول الحق : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) [ القيامة ] . أي : الدنيا ، وعجل الأمر طلبه قبل أوانه بدافع الشهوة ، وعجل الأمر سبقه . قال الحق سبحانه : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ . . ( 150 ) [ الأعراف ] .